الأحد , 4 ديسمبر 2022

العالم بين الحرب واللاحرب واخر حروبه المدمرة

مقدمة

يعيش العالم اليوم ازمة اقتصادية خانقة صنعتها السياسات الاستعمارية الجديدة بمفهومها (العولمي) الذي ارادت ان تحكم العالم من خلاله لتثبت انها دولة عظمى على جري العادة للإمبراطوريات التاريخية والتقليدية، ولكنها ارادت ان تصنع العالم بصبغتها الجديدة.

فحاولت هذه السياسات الاستعمارية الجديدة ومن خلال النظام الاميركي صناعة هذا المفهوم بشكله الجديد عبر تطويع الامم تارة بقوة السلاح، وتارة بقوة السطوة الاقتصادية عبر السيطرة على موارد الندرة والموارد الاولية الضاغطة الحاجة على الشعوب التي اصبحت تعتمد عليها في ابسط امور حياتها حتى في وسائل صناعة الغذاء والتدفئة، مما يدفع الشعوب الى القهر الطوعي بقبول شروط الدول القوية من ناحية، او التابعة لها من ناحية كما يتبع الفصيل أمه.

واقع مرير

من اللافت جدا في هذه المعمعة الاقتصادية الخانقة التي تشكلت بوادرها مع بداية هذه الالفية التي نعيش اقل من ربع قرن فيها حتى الان، الا انها اوصلت الى العالم الى صفيح يغلي على غرار مجريات الاحداث التي حصلت في الربع الاول من الالفية المنصرمة بين 1900و1945، والتي شهدت حربين متتاليتين كانتا كافيتان الى تدمير اوروبا برمتها، واعادة تشكيل العالم وخريطته بما يتناسب والسياسات الناشئة حينها، ووفقا للتطويع الممنهج للدولة التي صنعتها حرب دمار اوروبا والتي نشأت على انقاض سياسات الاوروبيين الاستعمارية في فتح العالم الجديد والقضاء على اهله وشعوبه من الهنود الحمر والانكا من السكان الاصليين لأميركا الشمالية وذلك بأكبر جريمة انسانية في تاريخ البشرية. وامام هذا الواقع المرير كانت تنشأ الدولة العصرية التي اسمها الولايات المتحدة الاميركية. وبما انها جاءت من رحم الاستعمار الانكلوسكسوني والفرنكوفوني معا اتفق هذان الاستعماران على تسليم الراية طوعا للمولود الجديد في عملية نقل السلطة بشكل سلس مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ليبدأ بالتبلور (عالم جديد) تتشكل فيه السياسات الدولية الجديدة، ولكن هذه المرة بمفهوم جديد اسمه: العالم الصناعي والذكاء الصناعي.

الذكاء الصناعي

تطور العالم وخلال مئة عام بشكل يفوق التصور إذا ما قارنا ما بين طبيعة الحياة للألف سنة الاخيرة من حياة البشرية، والتي كانت تعتمد الصناعات التقليدية والذكاء التقليدي، والذي مهما تتطور كان يحتاج للعنصر البشري بشكل اساسي ومباشر، وخاض به الحروب على اشكالها. ونظم قوانين السيطرة بقوة الانسان وبقوة الاعتماد عليه، الا ان هذا العنصر وبعد الحرب العالمية الثانية اخذ يفقد بريقه تدريجياً في ساحات المعارك الحربية اولا، والاقتصادية ثانيا وحتى الاجتماعية، وبات مع مرور الوقت عنصرا شكليا الى ابعد الحدود سيما وانه العقل المدبر للصناعات الحديثة، ولكن حصل معه كما يقال (جنت على نفسها مراكش) وهنا جنى على نفسه الانسان…

وتحول وبفضل ذكائه الى آلة بحد ذاته تتحكم به صناعاته الذكية نفسها والتي صنعها هو، وتحول العالم معها من عالم تقليدي الى عالم صناعي تام تسيطر عليه عِلة الذكاء الصناعي في كافة مجريات حياته، واخذ يفقد تدريجيا وجوده التقليدي حتى في ابسط اموره الحياتية.. حتى في اكله وشربه بات يعتمد على الغذاء الصناعي مع الاسف ليتحول هو نفسه الى سلعة بيد المصنعين الكبار الذين جعلوا الانسان نفسه سلعة للبيع والشراء، وسيطروا عليه بكل تفاصيل حياته، وبات اسيرا يتحكمون به حتى بشربة الماء التي لم تعد للطبيعة فيها اي مصدر لان الماء أصبح بالقناني البلاستيكية يتجرع فيها الانسان امراضه المستقبلية وموته الاخير.

الحرب واللاحرب

بين التقدم الصناعي وحاجات الانسان اصبحت الانسانية تعيش حياة مترفة من ناحية وحياة معدمة من ناحية ثانية..

فلا التطور افادها بتأمين السلام العالمي لها!

ولا التخلف كان يساهم في بقائها بمنأى عن الحروب والكوارث..!

وامام هذه المعادلة وقعت الانسانية امام ازمة حقيقية بعد ان ظنت نفسها انها خرجت من غول الحرب الذي اكلها في النصف الاول للقرن الاول للألفية الماضية عبر حربين كارثيتين كانتا كافيتان للقضاء على أكثر من نصف سكان الكرة الارضية إذا جاز التعبير، والذي عُرف بالعد فيها ما يقرب من مليار بشري عرف منهم ثلاثمئة مليون قتيل في دول اوروبا الغربية وحدها.. وروسيا وحدها شارف عديد قتلاها على الخمسة والعشرين مليون قتيل وحدها.. عداكم عن القتلى في بقية دول العالم ما بين قتل بالسلاح والقتال المباشر، او عبر الجوع والامراض والكوارث التي انتجتها الحرب واسلحتها الحديثة حينها، كالقنبلة النووية ومجزرة الشعب الياباني…

ومع كل هول الحرب ونتائجها، لم يتعلم الانسان منها، ولم يتعلم الساسة من هول الكوارث التي صنعتها مطامعهم ودناءتهم…، وها هم يعيدون الكرة ومنذ اكثر من ربع قرن، وهذه الالفية تشهد تقلبات سياسية وعسكرية وتحالفات تنذر بكوارث تهدد وجود البشرية برمتها هذه المرة على غرار التهديد الكوني الذي حصل في عصور ما قبل الزمن التاريخي الجلي من تدمير هائل تعرضت له الانسانية، وكاد ان يفنيها…، ولاحقا حوّلها الانسان بعقله الذكي الى قصص وخيال ديني حكم به عقول البشر عبر خلق صور حاول من خلالها اقناع البشر بان التدمير الذي حصل لا علاقة للإنسان فيه انما جاء على صور غضب من الرب لان الناس لم يعبدوه، بينما بالحقيقة هي حروب تاريخية وصل فيها الانسان الى مرحلة من التقدم العلمي الخطير حينها وخاض حروب افناء تاريخية لم يصلنا منها الا اليسير من الاخبار الخيالية والكذب.. وحروب الله والشيطان… بينما هي حرب شياطين البشر فيما بينهم.. دمروا كوكبهم.. واوصلوه الى كارثة اعادته الى حياة الكهوف والمُغر واكل الاعشاب (مع عدم قناعتي بهذا التاريخ المزور والمدون حوله هذه الفترة عن حياة الانسان) … وصنع اهل الاخبار والعلوم عنها قصص وروايات لا يمكن ان يصدقها الا العقل الغبي…

وفجأة وبعد التنقيب الحثيث الذي جرى لبلادنا من المستعمرين خلال ألف سنة من الحروب والاستعمار.. اكاد اجزم انهم اكتشفوا اسرارا كثيرة ومنها اسرار العلوم العتيقة التي كانت بالغة التقدم والتطور وبدأوا يعيدونها الى الحياة وبسرعة فائقة وبأقل من مئة سنة كان الانسان يصنع موته الجديد عبر اسلحة تدمير شاملة يؤسس بها لحرب قادمة ستكون فيه نهايته الاخيرة.

نعم، نحن اليوم نعيش ازمة اقتصادية خانقة، هذا صحيح، ولكنها ليست منقطعة النسق، انما هي استمرار للطمع الانساني الذي عاشته البشرية عبر عصورها الغابرة، واسست كما في الماضي القريب والسحيق الى حروب ومعارك مدمرة، اليوم الانسانية تعيش بين الحرب واللاحرب فترة انتقالية ستأخذها الى حربها التالية بعنف لم تشهد له مثيل منذ عودة الحياة البشرية الى طبيعتها الانسانية بعد حروب السحق التي حصلت في عصور ما قبل الزمن التاريخي الجلي، والتي كما ذكرنا سابقا، حوّلها الانسان الى قصص وخيال ديني وعزاها الى حروب بين الله والشيطان.. بينما هي كما الان.. حروب تصنعها شياطين البشر من اجل مطامع السياسة والساسة.. واهل النفاق في هذا العالم المترامي، الذي تحكمه الازدواجية القاتلة.

فهو عالم اعور..، يرى موت فتاة في إيران هتك لحرمة الإنسانية، ويرى موت اوكرانية جريمة انسانية، ولكنه لا يرى الذبح والقتل اليومي في فلسطين واليمن وبلادنا كلها بأيادي ابناء ابليس واعوانه..

هذا العالم الاعور.. هو ليس الا.. امتداد لمجرمي ما قبل التاريخ..

الحرب القادمة

نعم، نحن حقيقة امام حرب قادمة، وكما تعلمنا من التاريخ، ان اوروبا وتبعيتها العمياء للسياسة الاميركية سيأخذها الى حرب حتمية، وهي التي شهدناها حين تبرد وتجوع تخرج الى الحرب، وبنظرة تاريخية صغيرة تدرك كم مرة خرجت اوروبا الى حروبها من اجل الغذاء، نعم نحن امام حرب ستأتي عاجلاً ام اجلاً ولكنها صحيح ستكون مدمرة قاسية ولكنها أفضل بألف مرة من الحالة التي نعيشها من مساحة تختنق فيها النفوس وتكاد تفنى بجوعها وشقائها الذي يزحف بنا تدريجيا نحو الهاوية الاخيرة.

نعم ايها السادة، ان برد وجوع اوروبا هو اول بداية الحرب.. في عالم يختنق بكثرة الطلب وقلة العرض وغياب الموارد التي تسيطر عليه ادوات تتحكم فيها العولمة السياسية المجرمة لا دول الشكل التي فيها.

نعم العالم يعيش حالة الحرب واللاحرب وقد تكون الحرب هي نجاته الاخيرة من المأساة التي تعيشها انسانيته المخنوقة بمذلتها.. حيث أصبح الدفء والطعام اول حاجتها وهي عاجزة عن تأمينها..

فهل تخرج الى حربها الاخيرة؟

جواب للزمن تحسمه مجريات الاحداث والحقائق بالنتائج وليس بالنظريات

من يعش ير

د هاشم حسين

باحث في علم الاجتماع

شاهد أيضاً

تحت عنوان: جهاز استشعار … وكرة القدم تفقد متعتها

اسرار كثيرة واشياء مرعبة تلف حالم المستديرة وتتحكم بمجرياتها واخرها المفاجآت وليس اخرها الفريق التحكيمي …

اترك تعليقاً