الإثنين , 19 أغسطس 2019
الرئيسية » أخبار » تموز 2006 مسار جديد لحقيقة الصراع وانتصار يغني الذاكرة

تموز 2006 مسار جديد لحقيقة الصراع وانتصار يغني الذاكرة

بعد ثلاثة عشر عاماً من انتهاء حرب تموز/يوليو 2006، لا يخفى على كل متابع للشأن الإقليمي في الشرق الأوسط انعكاس صمود وانتصار المقاومة اللبنانية في هذه الحرب على موازين القوى الإقليمية بشكل جذري، وهذا  اتضح بشكل أكثر وضوحاً بعد معارك تلت هذه الحرب مثل الحرب على غزة عام 2008، والمعارك المستمرة في الميدان السوري منذ عام 2011، وكذا في المواجهة المفتوحة بين سوريا وإيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ومن نافلة القول ذكر أن نتائج حرب تموز كان لها أثر بعيد المدى لم يتضح إلا خلال السنوات الأخيرة، وكان من أهم ارهاصاته انتهاء عهد الحروب التقليدية، وبدء عصر جديد يكون فيه لحروب العصابات والصواريخ بمختلف انواعها والطائرات دون طيار دور البطولة، ويتقلص فيه دور الأنظمة التسليحية التقليدية والتكتيكات الميدانية النظامية. وهذا الواقع جعل القيادة العسكرية الإسرائيلية في هاجس دائم يحذرها من امكانية تعرض المناطق شمالي فلسطين المحتلة لإجتياح مفاجئ أو تعرض كامل أراضي فلسطين المحتلة لصليات كثيفة من الصواريخ في اية مواجهة مقبلة، ولعل التدريبات العسكرية المكثفة التي بدأتها وحدات الجيش الإسرائيلي أمس في الجليل أكبر دليل على ذلك.

التهديد الوجودي أصبح حقيقة

كتب المحلل الإسرائيلي “بن كاسبي” في صحيفة معاريف الإسرائيلية بعد مرور نحو شهر على انطلاق العمليات القتالية في حرب تموز “بعد مرور شهر على بدء العمليات، أصبحنا على قناعة  أن ما يحدث ليس عملية قتالية برية محدودة، ولا يوجد في ما يحدث قتال، بل ما يحدث هو حرب وجود مصيرية تشبه حرب التحرير، ولها قسوة مماثلة لما لاقيناه في حرب يوم الغفران”. إذن كانت حرب تموز 2006 هي بداية تحول المخاطر الإقليمية المحيطة بالكيان الإسرائيلي من خانة التهديد المحدود الغير مرتبط بشكل وثيق بمحاور استراتيجية او خطة شاملة، الى خانة التهديد الجدي لوجود الكيان الإسرائيلي ذاته، ففي المواجهات التي تلت حرب تشرين/أكتوبر 1973، مثل عملية الليطاني عام 1978، وعملية سلامة الجليل عام 1982، واشتباكات عامي 1993 و1996، كان الجيش الإسرائيلي هو المبادر بالهجوم على طول مدة العمليات العسكرية، دون أن تكون هناك تهديدات جدية لأراضي فلسطين المحتلة. لكن في حرب تموز 2006 وما بعدها أصبحت هناك تهديدات دائمة للأراضي الفلسطينية المحتلة من أكثر من اتجاه.

الصواريخ .. وما بعدها

كانت كلمة السر في حرب تموز هي التهديد الصاروخي الناجع الذي نجح حزب الله في وضعه ليس فقط كوسيلة قتالية هجومية، بل ايضاً للتأثير على الحسابات الإسرائيلية خلال العمليات العسكرية، وتشكيل توازن ردع منع الجيش الإسرائيلي من  توسيع عملياته الجوية خلال حرب تموز، وذلك تحت عنوان عريض هو “حيفا وما بعدها”، لتحذير إسرائيل من أن أي تصعيد من جانبها سيقابله تصعيد مماثل تجاه المدن والبلدات في فلسطين المحتلة.

صورة ارشيفية من حرب تموز 2006


على المجريات الميدانية، حققت القوة الصاروخية للحزب أولى الخسائر البشرية في إسرائيل في اليوم الثالث للحرب، واستهدفت بشكل أساسي المستوطنات والبلدات القريبة من الحدود اللبنانية مثل نهاريا وصفد وكريات شمونة وروشبينا، لكن كلما كانت الضربات الجوية اﻷسرائيلية تتزايد كلما أزداد توغل صواريخ الحزب الى مسافات ابعد، ففي اليوم الرابع وصلت الصواريخ الى طبريا التي تبعد ٤٠كم عن الحدود وفي اليوم الخامس طالت الصواريخ للمرة اﻷولي محطة القطارات في مدينة حيفا بجانب مدن العفولة والناصرة وعكا ونهاريا. في اليوم الثامن وصلت الصواريخ الى  مسافة ٥٠ كم بعد قصفها لرامات ديفيد وفي اليوم الثاني والعشرون تم ضرب بلدة بيسان التي تبعد ٦٨كم قرب الحدود اﻷردنية بصاروخ من نوع”خيبر١” ظهر للمرة اﻷولي خلال الحرب.

في اﻷيام اﻷخيرة للمعارك وتحديداً في اليوم الرابع والعشرون استخدم  حزب الله صواريخ خيبر في قصف بلدة الخضيرة التي ﻻ تبعد سوى أقل من ٥كم عن تل أبيب. النجاح الباهر لمقاتلي الحزب في هذا اﻷطار تم تتويجه باﻷخلاء الكامل لمستوطنة كريات شمونة وشل الحركة اﻷقتصادية فيها وفي حيفا ومعظم المدن الموجودة ضمن ٧٠كم من الحدود مع لبنان بعد فشل المقاتلات اﻷسرائيلية وبطاريات الباتريوت من تدمير أو التصدي لصواريخ حزب الله وهي باﻷضافة الي قذائف المورتر وصواريخ الغراد اشتملت على عدة أنواع من الصواريخ مثل صواريخ زلزال١ التي يتعدى مداها ١٠٠كم وصواريخ فجر٥ التي يتعدى مداها ٧٠كم وكانت أهم ما تم استخدامه من صواريخ بجانب صواريخ رعد١ وخيبر١”.

شهدت حرب تموز أيضاً استخداماً مكثفاً وفعالاً للقواذف المضادة للدروع، مثل القواذف الروسية “آر بي جي٢٩” و”كورنيت”، وتحولت الدبابات الإسرائيلية إلى مقابر لطواقمها للمشاة المتحركين معها، خصوصاً في معركة “وادي الحجير”ـ مما أثبت خطأ اﻷستراتيجية الهجومية للكتائب الإسرائيلية التي اتبعت أساليب ﻻ تؤتي أُكلها اﻻ ضد جيوش نظامية. أما في ما يتعلق بالدفاع الجوي والساحلي،  فعلي الرغم من ضعف اﻷمكانيات العسكرية لحزب الله في ما يتعلق بالدفاع الجوي والساحلي وقت حرب تموز 2006، اﻻ أنه تمكن عدة مرات من اسقاط عدد يتراوح بين أربعة وثمانية مروحيات عسكرية اسرائيلية اثناء قيامها بعمليات الأنزال، وتمكن  كذلك من تدمير زورق حربي سريع من نوع “سوبر ديفورا” وسفينة صواريخ من نوع “ساعر- ٥” بنسخة من الصواريخ الصينية البحرية “C802”.

تطور ما بعد حرب تموز

في المرحلة التي تلت حرب تموز وصولاً الى اللحظة الحالية، طرأ تطور كبير على الترسانة التي يمتلكها حزب الله من منظومات أسلحة، وهذا يعزى الى عوامل عديدة أهمها إدراك قيادة الحزب أن القدرات العسكرية الإسرائيلية تتطور بإستمرار. كما أن مشاركة حزب الله في المجهود العسكري المواجه للمجموعات المسلحة في سوريا ساهم بشكل رئيسي في صقل الخبرة الميدانية لعناصر الحزب، وهي الخبرة التي من الصعب تكوينها من خلال التدريبات او المناورات.

ففي سوريا عكف حزب الله على تطوير جانب الإستطلاع الجوي، ففي خلال حرب تموز 2006 نفذ الحزب عدة طلعات استطلاعية بطائرات دون طيار من نوعي مرصاد1 ومرصاد2، لكن لم تتم الأنشطة الاستطلاعية لحزب الله خلال هذه الحرب بشكل واسع النطاق، حيث اقتصرت على استطلاع المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة، مع تنفيذ عمليتين قبيل الحرب في نوفمبر 2004 وأبريل 2005، قام فيهما حزب الله باستطلاع مناطق الجليل في فلسطين المحتلة. في الفترة التالية لحرب تموز، بدأ حزب الله تدريجياً في تطوير واختبار قدراته في ما يتعلق بالطائرات دون طيار، وكانت اول تجربة في أكتوبر 2012، حين اخترقت احدى طائراته اجواء جنوبي فلسطين المحتلة في صحراء النقب. وبعد الإنخراط في المعارك بسوريا، نفذ حزب الله للمرة الأولى  عام 2014 عمليات هجومية بإستخدام طائرات دون طيار في منطقة جرود القلمون، وكذلك نفذ في أبريل 2013 بإستخدام طائرات “أيوب 1” تحليقاً استطلاعياً قرب سواحل حيفا، ليشكل بذلك خطورة محتملة على منصات التنقيب الإسرائيلية عن الغاز في البحر المتوسط، ناهيك عن عمليات الإختراق المتكررة لأجواء الجولان المحتل بطائرات إستطلاعية دون طيار، والتي يتم فيها التركيز على امتلاك طائرات دون طيار ذات مدى عملياتي كبير، وتشير التقديرات الغربية الى نجاح حزب الله في الحصول على طائرات دون طيار يصل مداها الى 1000 كيلو متر.

على مستوى القتال البري، صقلت المعارك التي خاضها مقاتلو حزب الله ضد المجموعات المسلحة في سوريا من الخبرات الميدانية القتالية للوحدات التابعة للحزب، كما ان معارك سوريا أظهرت امتلاك الحزب لناقلات جند مدرعة ومدافع ميدان ودبابات، وهو ما أضاف إمكانيات تقليدية اضافية الى قوة الحزب، مضافاً إليها أنواع جديدة من الصواريخ أرض – أرض وأرض – بحر، حيث تشير التقديرات الغربية الى أن الحزب يمتلك حالياً صواريخ “ياخونت” المضادة للقطع البحرية، بجانب صواريخ فاتح101، ويضاف الى ذلك مجموعة من الصواريخ متوسطة المدى، التي وحسب الأمين العام لحزب الله تغطي حالياً كامل أراضي فلسطين المحتلة. حزب الله عمل خلال الفترة الماضية أيضاً على تطوير قدراته للدفاع الجوي، وحسب التقديرات الغربية يمتلك عدة انواع من الصواريخ الروسية الصنع منها ما هو محمول على الكتف ومنها ما هو ذاتي الحركة.

التهديدات الإقليمية لإسرائيل تتزايد

من أهم النقاط التي تمثل مصدر قلق لصانع القرار الإسرائيلي، هو تعدد مصادر التهديد المحيطة بفلسطين المحتلة، فبالإضافة الى حزب الله في لبنان، والقدرات المتعاظمة لحركات المقاومة في غزة، تدخل إيران وجماعة أنصار الله في اليمن كمصادر تهديد محتملة تضاف الى التهديد المستمر منذ عقود من جانب سوريا. تجربة جماعة أنصار الله كانت مميزة جداً وناجحة لأقصى حد بشكل يجعل من الجائر جداً تبادل التقنيات بينها وبين حزب الله خاصة في ما يتعلق بالقدرات الصاروخية والطائرات دون طيار، وهما المحورين اللذين حققت فيهما الجماعة اليمنية نجاحات متتالية.

مخاطر استخدام الصواريخ والطائرات دون طيار الهجومية تشكل حجر زاوية في المخاطر العسكرية التي يواجهها الجيش الإسرائيلي في اية مواجهة مقبلة. فعلى ضوء الحرب في اليمن وسوريا، وتصاعد التوترات في منطقة الخليج العربي، تتراجع ببطء أهمية الوسائط العسكرية الهجومية، وتتزايد اهمية الوسائط الدفاعية خاصة في ما يتعلق بوسائط الإسقاط والتشويش على الصواريخ والطائرات دون طيار، وهي الوسائط التي تبقى حتى الأن عاجزة عن تقديم أداء ميداني ناجع خاصة لو تم إستخدام مبداً “الإغراق” في الهجمات الصاروخية أو المنفذة بالطائرات دون طيار، وهذا هو التحدي الأهم في اية حرب مقبلة.

وإذا قسنا على مجريات حرب تموز، فإنه إذا كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية برغم اكثر من ١٢ ألف طلعة جوية و١٥٠ ألف قذيفة مدفعية ومجهود بري لسبع ألوية مدرعة، قد فشلت في تحقيق انتصار ميداني حقيقي، بل حتى فشلت في تحقيق الهدف الإستراتيجي الأساسي لحرب تموز وهو إنهاء القدرات الصاروخية لحزب الله، حيث أستمرت الفرق الصاروخية التابعة لحزب الله من إدامة أطلاق صليات الصواريخ طيلة أيام الحرب في ظل أجواء تسيطر عليها المقاتلات اﻷسرائيلية. حتى على المستوى البري،لم تتمكن سبعة ألوية مدرعة ومشاة ميكانيكية اسرائيلية من ضمنها ألوية النخبة “جوﻻني – جفعاتي” بجانب لوائي مظلات وقوات خاصة، من تحقيق النتائج الميدانية المطلوبة برغم تفوقها في العدد والعدة وامتلاكها لسيطرة بحرية وجوية مطلقة.

بالتالي نستطيع ان نقول ان موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط قد تغيرت تماماً، وانه بات من الممكن مواجهة الطائرة الحديثة ذات المدى والتسليح المتفوق بصاروخ جو – جو معدل ليطلق من منصة أرضية كما حدث في اليمن، ومن الممكن تدمير القطع البحرية الكبيرة بصاروخ بحري يطلق من البر أو حتى بزورق انتحاري، ومن الممكن إستهداف اية مدرعة أو دبابة بالغة التدريع والقوة بصاروخ مضاد للدروع مطلق من منصة صغيرة، ومن  الممكن استهداف اية منطقة محصنة بطائرة دون طيار صغيرة تحمل على متنها قنيبلات صغيرة، ويتحكم بها فني ماهي يعرف تماما متى وأين يضغط على زر الإسقاط!

نقلا عن دام براس والذي كتب تحت عنوان : حرب تموز 2006 … انقلاب موازين القوى

شاهد أيضاً

اسامة سعد: نحن أمام مقاومة نؤمن بقدراتها على مقارعة العدو في الميدان لكننا لا نطمئن للأوضاع العربية عموما.

 حيا الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري النائب الدكتور أسامة سعد “أبطال المقاومة والشهداء والمصابين والأسرى …