الثلاثاء , 3 مارس 2026

مقتطفات من: معازف الموت والحياة والذكرى

ايها الموت…

يا ستار العيوب ومدفن الرذيلة وكاتم اسرار تجار الهيكل… يا مدفن اسرار المنافقين وتجار المناصب والرتب

ايها الموت، يا حامل بلواء النفوس الى منفى النسيان ويا مخرج المداحة في زمن النفاق والتكاذب وضياع الهوية وضياع المسار وتشتت الصفوف ونحر القضية على مذابح الانانيات والبيع والشراء والذمم الواسعة.. ما اهذبك ايها الموت حين تروي للصبح بقايا العتم العتيق وتقفل الستار على عيوب النواعق في زمن سيطرة الغرابيب السود على بقايا التاريخ والحضارة… ما ابشعك ايها الموت… حين تنهي كل شي بومضة قدر ليصبح معها كل شيء مجرد ذكرى، وفيها يقال: اذكروا محاسن موتاكم.. كي لا تشتم في قبورها كما قالت لسان العرب.

ايتها الحياة…

لماذا انت قاسية على الشرفاء واهل الضمير؟

لماذا تعصفين بهم الحياة تعباً وارهاقاً وشقاق؟

ولماذا تقهرين ادبهم واخلاقهم وسلوكهم الحسن؟

ايتها الحياة،

لماذا تعطين المنافقين والخونة والعملاء امجاداً ورفاهية؟

لماذا تفسحين لهم بالعطاء والجزاء والمكانة؟

لماذا تقدمينهم الصفوف والمنابر والمراتب؟

لماذا ايتها الحياة تكرمين الجبناء واهل اللؤم وأصحاب النفوس الخبيثة بكل ملذات الحياة؟

لماذا تجعلين لهم المكانة التي يتربعون عليها ويتحكمون بالناس ويتبجحون بالظلم والخيانة؟

لماذا الشرفاء يرحلون منك باكراً حتى الحزن عليهم يصبح ممنوع؟

 ولماذا تتركين الجبناء يطيلون بالعمر وهم على ابوابك يتخبلون حتى القرف منهم؟

ايتها الحياة،

لو طرحت عليك ألف ألف سؤال لما اجبتني جواباً واحداً شافياً، فجُّل ما فيك أنك تتوعدين بالعاقبة، ولكننا نرزح تحت عواقب الزبانية والمجرمين، وفي شعبنا بعضٌ كثيرٌ بات عبداً عند أعداء بلادنا يضربنا بسوط كلامه الخبيث ويملأ الارجاء فتن.

أيتها الحياة

تمهلي علينا قليلاً وانصفينا ولو بإجحاف، فالخاملون اتخموا بجبنهم من ملذات فخاخك وشراكك وما تقدمين لهم من مغريات حتى باتوا بيد الأعداء العوبة يصوبونهم على صدور من بين ظهرانينا يقتلون فينا الإرادة والعزيمة ويحبطوننا بألسنتهم المسمومة من على شاشات العهر والغدر وصفحات الفوضى والبلاء الاجتماعي.

ايتها الحياة

لماذا لا تكونين كالموت؟

فهذا الاخير يجعل من المجرمين شرفاء في ذكراهم، ومن الخائنين ابطالاً في أوراق النعي وخطابات المنابر الفارغة وحفلات التأبين المزيفة..

كما يحوّل الدجالين والمقامرين والخائبين والعملاء والسفهاء وابطالاً فوق الكراسي وعظماء فوق عروش أصحاب المنافع، لا والانكى، لا بل يجعلهم سواسية في الخطاب ويحولهم كأسنان المشط مع الشرفاء والابطال والعظماء والشهداء، وجميعهم يعطيهم مكاناً واحداً ورتبة واحدة ومساراً واحداً ولو تغيرت فيه الشكليات.. فالأمر عينه كلهم تحت لوائه يصبحون برتبة واحدة: اموات

اما انت ايتها الحياة

ففيك الجبناء والضعفاء والاموات الاحياء، وفيك العملاء والخونة وأصحاب المنافع، كلهم كلهم خزائنهم مليئة بالمال وخيانة الحقد!

يكرمون على المنابر وفي المحطات المتلفزة والمشفرة والمسنفرة والمقعبرة … كلها برتبة واحدة: عبيد الدولار

وتصبح الناس على رحيلهم تعطينا أجمل الشعر وافخر المرثيات واشد عبارات البلاغة في التذكر والتذكير وكأنهم كانوا في الحياة سواسية والحقيقة انهم غير ذلك..

فكانوا كل شيء ونقيضه، هذه الحقيقة ايتها الحياة

فلماذا تسلبيننا الخيِّرين في حياتهم حتى ننسى وجودهم ولا نكرهم وهم احياء ليرهقنا الموت في تذكرهم؟

بينما الموت يكرم حتى الجبناء ويجعل منهم ابطالاً بعد رحيلهم وتكتب بهم الاشعار وقصص الخيال ولو كانوا خائنين لعهدهم وحقيقتهم واماناتهم؟

لقد ارهقتنا معازفك ايتها الحياة كما ارهقتنا معازف الموت وصنيع الذكريات، فبات الميت بعد موته بطلاً عظيما والاحياء فينا اموات بين المواقف والشعارات

هذا يبهرجون له وكأن الجنكيز وذلك يلعنونه وكأنه الفرعون وبين البهرجة واللعنات تنقسم الناس بغباء قلّ نظيره، فهذا يشتم قديساً لأنه ليس على مسار مذهبه وخيانته وذلك يمجد ميتاً ولو كان خائناً فالمهم عنده انه فيه وجد مآربه.

أيها الموت… انت صفر الأشياء رغم أنك الملاذ الأخير لكل الاحياء، وعبرك نسير الى اللامتناهي من الوجود السرمدي، وبين دفتي حفرتك نكتشف كل حقائق الوجود على بصر حديد..

ايتها الحياة… انت صفر الحياء وفيك التعب والشقاء، وفيك البلواء والاهواء، وفيك البصر قصير والعقل والجسد تحت الانواء، انت متنفسنا في سردية الخلق والبدء والنهاية رغم أنك المعبر الوحيد نحو موت ازلي نحيا بك ونحن على يقين اننا نسير في اتجاه ملزم لا خيار لنا فيه، اول بكاء لنا البكاء في ولادة واخره نعوة والبقاء وبكاء المودعين حتى يتلقفنا الموت من بين يديك سعيداً وهو يقهقه قائلاً: اهلا وسهلاً بكم في حفرة الى نافذة الأبدية أيها الاحياء… عند حفرتي هذه تساويتم وليس فيكم عند كبير ولا صغير فكلكم كأسنان المشط سواء

أيها الموت،

كفاكم خداعاً وعدلك ليس صادقاً بالمساواة بين الملتحفين التراب في المقابر، وليس كل الاتون اليك سواء.. فمنهم من هم احقر بني البشر الخونة والعملاء والجبناء ومنهم من هم القديسون والشرفاء والابطال والاوفياء…

ايتها الحياة،

كفى، لقد اشتد فينا الألم من لا عدلك مما نرى من صيصان تعلو المنابر وتتقدم الصفوف وتلعق احذية الأعداء لبعض مكرمة او رضى او منفعة ولو على حساب كرامة الواطن، حتى بتنا نصدق، ان الديك بات رجلاً حقاً…

الدكتور هاشم حسين

الدكتور هاشم حسين باحث في علم الاجتماع

شاهد أيضاً

نهاية اميركا هل حانت؟ / كاتبة بريطانية تُحذّر: فوز ترامب سيؤدي لحرب أهلية ونهاية أميركا

حذرت الكاتبة والمؤرخة البريطانية زوي ستريمبل من أن أميركا باتت ولايات متناثرة أشبه ما تكون …